لا يزال رحيل رجل الأعمال المصري محمد الفايد عن عمر ناهز 94 عاماً يثير تفاعل المصريين عبر أحاديثهم ومن خلال وسائل التواصل الاجتماعي، بسبب حياته الزاخرة بالنجاحات والملفات الاقتصادية والإنسانية المثيرة للجدل والغموض.

الفايد مسيرة طويلة من العمل (الشرق الأوسط)

قطع «الملياردير الراحل» مشواراً طويلاً مليئاً بالنجاحات والتحديات، بدأه في وقت مبكر من حياته، حين عمل عتّالاً في الميناء بمسقط رأسه الإسكندرية (شمال مصر)، مروراً بسفره إلى المملكة العربية السعودية، حيث عمل في بيع ماكينات الخياطة، ومن ثم أصبح مستشاراً لمحمد حسن البقلية سلطان بروناي، وانتقل إلى بريطانيا في منتصف الستينات ليحقق نجاحات وصفقات ضخمة في مجالات عدة، وربما من أشهرها حصوله على الحصة الأكبر للأسهم من سلسلة محلات «هارودز» الشهيرة التي تحظى بالمعاملة الملكية، في منتصف الثمانينات.

وقضى رجل الأعمال الراحل حياته في أوروبا حتى وفاته، بعد أن أقام مملكة اقتصادية ضخمة بلغت قيمتها نحو ملياري دولار. ولا يزال يقبع قصره المغلق في شارع يحمل اسمه بالإسكندرية.

ووصف مصطفى رجب مدير «بيت العائلة المصرية» في لندن ومدير رئيس اتحاد الكيانات المصرية في أوروبا الفايد بأنه «صاحب نجاحات ليس لها حدود»، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «هو شخصية مصرية حازت احترام الناس في بريطانيا وأوروبا، ليس على المستوى الاقتصادي فقط، بل أيضاً على المستوى الشخصي».

رجل الأعمال المصري الراحل محمد الفايد (الشرق الأوسط)

وأضاف: «لقد تعاملت معه من خلال شركته ووجدته مثالاً للرقي والأخلاق، فقد كان لشركتنا تواصل ومعاملات وحسابات مع شركته في بدايتها قبل (هارودز)، حين كان لها مكتب في بركلين»، وأشار إلى أنه «كان يهتم بالعمل المجتمعي، فكان على سبيل المثال بصدد القيام بنشاط مع الجالية المصرية لكن سبقه رجل الأعمال أشرف مروان، وبالطبع فإن وجود شخصيتين من (الكبار) مثلهما في كيان واحد غير مناسب، فقرر الفايد أن ينسحب وترك المجال لمروان».

قصر الفايد المغلق بالإسكندرية (الشرق الأوسط)

وأشار رجب إلى أن نشاط الفايد تراجع بعد وفاة ابنه دودي، فعاش مع أسرته الصغيرة وآلامه ما بين سويسرا وفرنسا، وحاول كثيراً التوصل إلى كشف تفاصيل الحادث الأليم، لكنه لم يصل إلى شيء، ولا نعرف ما إذا كان قد كتب مذكراته بالفعل أم لا، ولا أحد يعرف حتى الآن ماذا ستفعل أسرته بخصوصها إذا وُجدت، أو بملفاته السرية الكثيرة، فهل ستفصح عنها أم ستتكتم على كل شيء، على الأقل في الوقت الراهن».

شارع يحمل اسم ابن محمد الفايد (الشرق الأوسط)

وقال رجب رداً على ما أثير عن محدودية الحضور في جنازة الفايد: «بالفعل كان العدد محدوداً في مسجد (ريجنز بارك) في لندن، حيث تمت مراسم الجنازة، وغاب الحضور الرسمي، وعدم تداول الخبر في البداية، وهو أمر غير متوقع بالنسبة لشخصية بحجم محمد الفايد، ما أثار الشكوك في مدى صحة الخبر، أو كونه من صنع السوشيال ميديا كحال الكثير من المشاهير، لكن بعد اتصالنا بالعائلة، أكدوا الخبر، وأن الوفاة حصلت يوم الجمعة، وكانوا في سباق مع الزمن لإتمام إجراءات الدفن، قبل توقف الجهات الرسمية عن العمل يومي السبت والأحد، وإلا كانوا سيضطرون للدفن يوم الاثنين المقبل، لكنهم أعلنوا عن إقامة العزاء يوم الجمعة المقبل، ولم يحدّدوا بعد التوقيت أو المكان».

وأكد رجب أن محمد الفايد كان رجل خير من المقام الأول، ولكن معظم أعمال الخير التي كان يقوم بها كانت تنصب على التعاون مع الجهات الرسمية والمؤسسات والمستشفيات، لا سيما في مسقط رأسه بالإسكندرية؛ وربما كان ذلك يثير هجوم البعض عليه؛ بسبب عدم رده على الخطابات التي كانت تصله لطلب المساعدات؛ وكان الراحل يقول إن أعداداً كبيرة من هذه الخطابات كانت تصله، وأنه لا يستطيع تحرّي دقتها، وهو يريد أن يصل الخير إلى مستحقيه؛ لذلك فضل توجيه المساعدات للجهات الرسمية أكثر من الأفراد».

وتابع رجب: «أتذكر أنني بالمصادفة كنت أقدم مساعدات باسم المصريين في بريطانيا مع جمعية الهلال الأحمر، وفوجئت بمدير الجمعية في ذلك الوقت حين سألته عما إذا كان يتلقى مساعدات كافية من أبناء الوطن في بريطانيا أنه رد بأن محمد الفايد هو من يقدم مساعدات ضخمة بشكل مستمر».

وفي السياق نفسه تقول سيدة الأعمال الإسكندارنية د. عايدة السويفي لـ«الشرق الأوسط»: «إن محمد الفايد ينتمي لعائلة أصيلة في المدينة، ومن أبرز ما يميزها هو أنها عائلة محبة للخير، وفق رواية صفية الفايد التي كانت تشيد أيضاً بشقيقها محمد الفايد، مؤكدة أنه كان يتمتع بـ«قلب أخضر» من فرط صفاء قلبه وحبه للخير، وميله لمساعدة الغير في صمت بجميع الأشكال، وليس فقط عبر الجانب المادي حسب قولها.

وأضافت: «عرفت السيدة صفية بحكم مشاركتي في أعمال تطوعية ومجتمعية بالإسكندرية، وكنت ألحظ شغفها بهذه الأعمال وهو ما حفز محمد الفايد على إنشاء دار لرعاية الأطفال المصابين بمرض السرطان من القرى والمناطق القريبة من الإسكندرية، أو أي مناطق أخرى نائية ممن كان أبناؤها يلجأون للدار لتلقي العلاج من هذا المرض».

وتابعت: «ترك محمد الفايد للسيدة صفية إدارة الدار بالكامل، وهي بدورها لم تتهاون لحظة في حسن رعايتها؛ فكانت تستقبل الأطفال من سن شهر حتى 18 سنة، ومعهم أمهاتهم وتوفر لهم إقامة كاملة، وداخل الدار توجد حضانة، وبمجرد أن يصل الطفل المريض إلى سن المدرسة كان يُلحق بها، وكانت موجودة دوماً في المكان».

دار رعاية صفية الفايد شقيقته (الشرق الأوسط)

وتشير السويفي إلى أن «محمد الفايد عبر هذا الدار قد سبق الكثير من المستشفيات المصرية الشهيرة في تقديم مفهوم متكامل وشامل للرعاية الصحية للأطفال».

شاركها.
Exit mobile version