أثار أداء مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي)، وسلوك مديره كاش باتيل، في الأشهر الأخيرة، جدلاً واسعاً داخل واشنطن وخارجها. لكن الجدل بلغ ذروته بعد جلسة الاستماع التي خضع لها باتيل الأسبوع الماضي في الكونغرس، حيث وُجهت إليه اتهامات بالتقصير والتخبط في التعامل مع قضية مطلق النار على الناشط اليميني تشارلي كيرك. ظهر باتيل متوتراً في ردوده، مكرراً أن المكتب «قام بكل ما في وسعه ضمن الصلاحيات المتاحة» له. لكنه لم يقدّم، بحسب ما لاحظ أعضاء في لجنة القضاء في مجلس النواب، تفسيراً مقنعاً حول التخبط الذي شاب التحقيق الأولي. بالنسبة إلى كثيرين، شكّلت تلك الجلسة لحظة مفصلية سلّطت الضوء على الرجل الذي وجد نفسه فجأة في قلب واحدة من أعقد العواصف السياسية والأمنية في الولايات المتحدة. فما الذي يجعل كاش باتيل شخصية مثيرة إلى هذا الحد؟ وما الذي يمكن أن يقوله مساره الشخصي والسياسي عن مستقبل جهاز أمني بحجم مكتب التحقيقات الفيدرالي؟
لم يكن المسار الذي أوصل باتيل إلى هذا المنصب تقليدياً، ولم يكن خالياً من المغامرة. فالرجل ذو الأصول الهندية الغوجاراتية، وُلد ونشأ في نيويورك عام 1980 لأسرة متوسطة الحال، اضطرت لمغادرة أوغندا في سبعينات القرن الماضي إثر سياسات الطرد التي اتبعها نظام عيدي أمين ضد الجالية الآسيوية هناك. ومثل كثير من العائلات المهاجرة، بدأت أسرة باتيل من الصفر: عمل الوالد في متجر بسيط، بينما كرّست الأم وقتها لرعاية أبنائها.
يروي مقربون منه أنه كان دائم الشعور بأنه مطالب بإثبات ذاته في مجتمع ينظر أحياناً بعين الريبة إلى «الوجوه المختلفة». هذا الوعي المبكر بالهوية المزدوجة – هندية وأميركية – صاغ شخصيته لاحقاً، وجعله يركز على مجالات يُظهر فيها انتماءه الكامل إلى الدولة الأميركية.
اعتادت عائلته على التذكير بأهمية التعليم والعمل الجاد بوصفهما وسيلة للارتقاء. وفي مقابلة أجراها مع مجلة «بوليتيكو» قبل سنوات، روى باتيل كيف أن والده كان يكرر عليه أنه «في أميركا، يمكنك أن تبلغ أي منصب إذا عملت بجد». وبالفعل، التحق بجامعة ريتشموند حيث درس العلوم السياسية، وكان من الطلاب النشطين في الأنشطة الطلابية ذات الطابع السياسي. بعدها انتقل إلى كلية الحقوق في جامعة بابسون، حيث حصل على شهادة الدكتوراه في القانون. لم يكتف بذلك، بل أضاف درجة ماجستير في القانون الدولي، وهو ما أعطاه أدوات لفهم أوسع للعلاقات بين التشريعات المحلية والقانون العالمي، قبل أن يبدأ مسيرة مهنية داخل وزارة العدل مدعياً فيدرالياً. إحدى أساتذته في القانون الجنائي ذكرت، في حديث مع «واشنطن بوست»، أنه كان «طالباً مثابراً، لكن واضح الميل إلى التفكير في السياسة أكثر من تركيزه على التقنيات القانونية البحتة».
في بداياته، داخل وزارة العدل، وعمل على ملفات الإرهاب والجريمة المنظمة. لكن اسمه برز حقاً عندما التحق بلجنة الاستخبارات في مجلس النواب، حيث أصبح أحد أقرب المستشارين للنائب الجمهوري اليميني ديفن نونيز، رئيس اللجنة آنذاك. ومن هناك، وجد نفسه في قلب الصراع المحتدم بين البيت الأبيض وأجهزة الاستخبارات، خاصة فيما يتعلق بالتحقيقات حول التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية لعام 2016. تقارير عدة، منها ما نشرته «نيويورك تايمز» في فبراير (شباط) 2018، وصفت باتيل بأنه «المهندس الفعلي» لمذكرة نونيز الشهيرة التي اتهمت مكتب التحقيقات الفيدرالي خلال رئاسة مديره السابق جيمس كومي بالتحيز ضد ترمب. هذا الدور عزز مكانته داخل الدائرة الضيقة للرئيس، وأتاح له فرصاً جديدة في الإدارة.
مع نهاية الولاية الأولى لترمب، انتقل باتيل إلى مواقع أكثر حساسية: مساعد خاص في مجلس الأمن القومي، ثم مسؤول رفيع في وزارة الدفاع. هناك أثار جدلاً واسعاً بسبب قربه الشديد من البيت الأبيض وتدخله في ملفات حساسة، من بينها الانسحاب من أفغانستان. ورغم الانتقادات، تمكن من بناء صورة داخل التيار المحافظ كـ«محارب ضد الدولة العميقة»، على حد تعبير قناة «فوكس نيوز» اليمينية.
بين الولاء للرئيس واستقلالية المؤسسة
لكن تعيينه المفاجئ في رئاسة مكتب التحقيقات الفيدرالي خلال الولاية الثانية لترمب كان خطوة غير مسبوقة؛ إذ لم يسبق أن تولى هذا المنصب شخص بخلفية سياسية حزبية واضحة إلى هذا الحد. ورغم أن البيت الأبيض برر التعيين بأنه «جزء من إصلاح شامل للمكتب»، اعتبر مراقبون أن الغرض الحقيقي كان وضع شخص موالٍ في موقع حساس، قادر على إعادة توجيه بوصلة التحقيقات الفيدرالية. أشارت صحيفة «واشنطن بوست»، في تقرير مطوّل، إلى أن ترمب كان يكرر منذ حملته الانتخابية أن الـ«إف بي آي» يحتاج إلى «تنظيف من الداخل»، وقد رأى في باتيل الأداة المثالية لذلك.
منذ اليوم الأول لتوليه المنصب، أظهر باتيل ميلاً لأسلوب إدارة غير تقليدي. فهو أكثر حضوراً على وسائل التواصل الاجتماعي من أي مدير سابق للـ«إف بي آي»، ولا يتردد في الرد المباشر على منتقديه. لكن هذا الحضور أصبح سيفاً ذا حدين، خصوصاً بعد حادثة تشارلي كيرك؛ إذ أعلن باتيل، عبر منصة «إكس»، أنه تم القبض على المشتبه به في اغتيال كيرك، قبل أن يتبين لاحقاً أن الشخص أُطلق سراحه بعد استجواب قصير. التغريدة، التي تزامنت مع مؤتمر صحافي لحاكم ولاية يوتا، أعطت انطباعاً بالتخبط وسوء التنسيق، وأدت إلى موجة من الانتقادات داخل المكتب وخارجه.
بحسب ما نقلته شبكة «سي إن إن»، عقد باتيل اجتماعاً افتراضياً مع نحو مئتي عميل بعد الحادثة، لكنه بدلاً من تهدئة الأجواء، صب الزيت على النار حين وجّه انتقادات حادة لمرؤوسيه بدعوى «التأخر في تمرير المعلومات». بعض العملاء خرجوا من الاجتماع وهم مقتنعون بأن المدير الجديد يتعامل مع المكتب بوصفه منصة لبناء صورته السياسية، لا بوصفه جهازاً أمنياً محايداً.
الأزمة لم تتوقف عند هذا الحد. فبعد أسابيع قليلة، ظهرت دعوى قضائية فيدرالية رفعها ثلاثة من كبار مسؤولي المكتب السابقين، بينهم برايان دريسكول، المدير المؤقت السابق لمكتب التحقيقات الفيدرالي، تتهم باتيل بتنفيذ «عملية تطهير سياسي» داخل الوكالة بإيعاز من البيت الأبيض. ووفقاً لوثائق الدعوى التي نشرت صحيفة «واشنطن بوست» أجزاء منها، سُئل دريسكول قبل تعيينه أسئلة مباشرة عن توجهاته السياسية، مثل: «لمن صوّت في الانتخابات الخمس الماضية؟»، و«هل يدعم محاسبة عملاء (إف بي آي) الذين اقتحموا منتجع مار إيه لاغو؟». رفض دريسكول الاستجابة لهذه الأسئلة أو تنفيذ أوامر بإقالة عدد من العملاء، وهو ما أدى في النهاية إلى فصله.
مثل هذه التفاصيل عززت المخاوف القديمة بشأن تسييس مكتب التحقيقات الفيدرالي. وعلى الرغم من أن البيت الأبيض دافع عن باتيل باعتباره «ينفذ إصلاحات ضرورية»، فإن تقارير عدة اعتبرت ما يحدث أقرب إلى إعادة هندسة الولاءات داخل جهاز أمني يُفترض أنه مستقل. كتبت صحيفة «نيويورك تايمز»، في افتتاحية حديثة، أن «إدارة مكتب التحقيقات الفيدرالي بطريقة تشبه إدارة حملة انتخابية، هو أمر يهدد ثقة الرأي العام في سيادة القانون».
هل ينجو باتيل وسط العواصف السياسية؟
في خضم هذه العواصف، برزت انتقادات حتى من داخل المعسكر المحافظ. لورا إنغراهام، مقدمة البرامج في قناة «فوكس نيوز»، وصفت الطريقة التي تعامل بها باتيل مع قضية كيرك بأنها «هاوية مهنية»، بينما قالت الناشطة اليمينية لورا لومر إن «مكافأة الـ100 ألف دولار التي أعلنها المكتب مهينة مقارنة بقضايا أقل أهمية». هذه المواقف تكشف عن أن الدعم لباتيل ليس شاملاً حتى بين حلفاء ترمب.
في المقابل، وجد باتيل سنداً من شخصيات نافذة في الحزب الجمهوري مثل جيم جوردان، رئيس اللجنة القضائية في مجلس النواب، الذي قال في إحدى الجلسات إن «باتيل يعمل على إعادة الثقة بالمكتب بعد سنوات من الانحياز ضد المحافظين». هذا التباين يعكس حجم الانقسام داخل الحزب نفسه حول جدوى الدفع بالمكتب في اتجاه أكثر وضوحاً سياسياً.
لكن الضغوط لم تأت فقط من الساحة السياسية أو الإعلامية. داخل الـ«إف بي آي» نفسه، تشير شهادات موظفين حاليين وسابقين، نشرتها وكالة «رويترز»، إلى أن القيادة الجديدة تواجه أزمة ثقة غير مسبوقة. البعض يرى أن المشكلة ليست في كفاءة باتيل بقدر ما هي في أسلوبه الشخصي: مزيج من الحدة والرغبة في إثبات الولاء للرئيس. يقول أحدهم: «إنه ليس بالضرورة غير كفء، لكنه ضحية لزمن رقمي سريع، حيث كل خطأ يتحول إلى أزمة وطنية في لحظات».
إلى جانب ذلك، يواجه باتيل تركة ثقيلة من الملفات الشائكة، أبرزها قضية الملياردير الراحل جيفري إبستين المتهم بقضايا اعتداءات جنسية. فقد انتقد ناشطون من مختلف الأطياف ما اعتبروه تقاعساً من المكتب في كشف ملابسات الشبكات المرتبطة بإبستين. ويخشى كثيرون أن يؤدي تسييس المكتب تحت قيادة باتيل إلى دفن المزيد من الحقائق بدلاً من كشفها.
وسط هذه الفوضى، يطرح سؤال أساسي نفسه: هل يستطيع كاش باتيل استعادة ثقة المؤسسة والرأي العام، أم أن مسيرته على رأس مكتب التحقيقات الفيدرالية ستكون قصيرة ومثقلة بالجدل؟ التحليلات من داخل واشنطن تميل إلى أن مصيره مرتبط مباشرة بقدرة ترمب على الصمود في مواجهة خصومه السياسيين. فإذا كان الرئيس قادراً على حماية رجاله، فإن باتيل سيبقى في موقعه مهما كانت العواصف. أما إذا تراكمت الأخطاء وتزايدت الضغوط القانونية والإعلامية، فقد يصبح هو الحلقة الأضعف التي يجري التضحية بها. في النهاية، يعكس صعود كاش باتيل إلى رئاسة مكتب التحقيقات الفيدرالي لحظة أميركية معقدة: جهاز أمني بحجم الـ«إف بي آي»، لطالما كان رمزاً للحياد المؤسسي، يجد نفسه فجأة جزءاً من حرب سياسية مفتوحة. وباتيل، الذي بدأ مسيرته ابن مهاجرين يسعى وراء الحلم الأميركي، أصبح رمزاً آخر للاستقطاب العميق الذي يمزق واشنطن. وبين طموحه الشخصي ورغبة البيت الأبيض في السيطرة، وبين أخطائه المتكررة وضغوط الكونغرس والإعلام، يبدو أن مستقبل الرجل والجهاز الذي يقوده بات معلقاً بخيط رفيع.
“);
googletag.cmd.push(function() { onDvtagReady(function () { googletag.display(‘div-gpt-ad-3341368-4’); }); });
}
