خلال المرافعات المتعلقة بمحاولة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إقالة محافظة مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، ليزا كوك، بدا أن قضاة المحكمة العليا الأميركية يميلون إلى تبنّي فكرة مفادها بأن استقلالية البنك المركزي في تحديد السياسة النقدية يجب أن تبقى مصونة، وأن تقويضها قد يترتب عليه مخاطر اقتصادية حقيقية على أرض الواقع.
وأشار القضاة، خلال الجلسة التي عُقدت يوم الأربعاء، إلى أن الضرر المحتمل في كيفية تعاطي المحكمة مع القضية قد يكمن في ترك الباب مفتوحاً على مصراعيه أمام الرؤساء، حالياً أو مستقبلاً، لإقالة صانعي السياسة النقدية، بما من شأنه الإخلال بأكثر من قرن من الأعراف التي سمحت للبنوك المركزية باتخاذ قرارات بشأن أسعار الفائدة بعيداً عن الضغوط السياسية، وفق «رويترز».
وقد عبّر عن هذا القلق بشكل مباشر القاضي المحافظ بريت كافانو، خلال نقاشه مع المدعي العام الأميركي دي جون ساور، المكلف بالدفاع عن حق ترمب في إقالة كوك على خلفية مزاعم بتقديمها بيانات غير دقيقة في طلبات رهن عقاري قبل تعيينها في مجلس «الاحتياطي الفيدرالي».
وقال كافانو: «موقفكم القائل بعدم وجود أي رقابة قضائية، ولا إجراءات واجبة، ولا سبل للطعن، ومعيار منخفض جداً لإثبات السبب يحدده الرئيس وحده، هذا من شأنه أن يُضعف، إن لم يكن يُحطم، استقلالية مجلس (الاحتياطي الفيدرالي)».
وأضاف موجّهاً حديثه إلى ساور: «علينا أن نكون واعين لما نقوم به ولعواقب موقفكم على هيكلية الحكم».
وحذّر كافانو من أن تسهيل إقالة محافظي «الاحتياطي الفيدرالي» يمنح الرئيس حافزاً للقيام بما وصفه بـ«مهمة بحث وتدمير»، عبر «العثور على أي شيء وكتابته على ورقة، دون رقابة قضائية، ودون إجراءات، ودون أي شيء. انتهى الأمر».
مطالب ترمب المتكررة
تخيّم على القضية مطالب ترمب المتواصلة بأن يخفض «الاحتياطي الفيدرالي» أسعار الفائدة بوتيرة أسرع وبمستويات أعمق مما كان البنك المركزي مستعداً للقيام به تحت قيادة رئيسه الحالي جيروم باول، في ظل استمرار الضغوط التضخمية. وقد صرّح ترمب بأنه يعتزم تعيين رئيس جديد «للاحتياطي الفيدرالي» يتوافق مع توجهاته عند انتهاء ولاية باول في المنصب في مايو (أيار).
واستند ترمب إلى مزاعم غير مثبتة بشأن احتيال في طلبات الرهن العقاري لتبرير إقالة كوك، التي عيّنها الرئيس الديمقراطي السابق جو بايدن محافظة في مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» عام 2022، بولاية تمتد حتى عام 2038. وقد وصفت كوك هذه المزاعم بأنها ذريعة لإقصائها بسبب خلافات تتعلق بالسياسة النقدية.
وفي هذا الشهر، أطلقت وزارة العدل في إدارة ترمب تحقيقاً جنائياً بحق باول يتعلق بمشروع لتجديد مبنيين تاريخيين في مقر «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن. وبالمثل، وصف باول هذا التحقيق بأنه ذريعة تهدف إلى تمكين ترمب من بسط نفوذ أكبر على «الاحتياطي الفيدرالي» والسياسة النقدية.
وضغطت القاضية إيمي كوني باريت، التي عيّنها ترمب في المحكمة العليا كما هو الحال مع كافانو، على ساور بشأن التداعيات الاقتصادية المحتملة للسماح بإقالة كوك. وأشارت باريت إلى أن اقتصاديين قدّموا مذكرات للمحكمة حذّروا فيها من أن مثل هذه الخطوة قد تؤدي إلى ركود اقتصادي.
وسألت باريت: «كيف ينبغي أن ننظر إلى المصلحة العامة في قضية مثل هذه؟».
وردّ ساور بالقول إن ارتفاع سوق الأسهم بعد إعلان ترمب إقالة كوك في أغسطس (آب) يقوّض التوقعات المتشائمة.
لكن باريت قاطعته قائلة: «سأتوقف عند هذا الحد لأقول إنني لا أريد أن أكون في موقع التنبؤ بما ستفعله الأسواق بالضبط. لا أريد أن أتحمّل مسؤولية تقدير حجم هذا الخطر. أنا قاضية ولستُ خبيرة اقتصاد. ولكن إذا كان هناك خطر، ألا يدعو ذلك… إلى التحلي بالحذر من جانبنا؟».
النتائج على المدى الطويل
يعتبر الاقتصاديون أن من المبادئ الراسخة أن البنوك المركزية التي تعمل بمعزل عن الضغوط السياسية قصيرة الأجل تتخذ قرارات تؤدي إلى نتائج اقتصادية أفضل على المدى الطويل، من خلال كبح التضخم حتى لو استدعى ذلك الإبقاء على أسعار فائدة مرتفعة قد تبطئ النمو الاقتصادي، وترفع معدلات البطالة، وتجعل الحياة أكثر صعوبة بالنسبة للسياسيين الساعين إلى إعادة انتخابهم.

ومنذ عودته إلى السلطة قبل 12 شهراً، تبنّى ترمب رؤية موسّعة لصلاحيات الرئاسة. ويوازن قضاة المحكمة العليا في قضية كوك بين قيمة استقلالية «الاحتياطي الفيدرالي» وحجج إدارة ترمب القائلة إن مصالح الرئيس، وبالامتداد مصالح العامة، ستتضرر من الإبقاء على مسؤولين في وكالات فيدرالية يرغب في إقالتهم.
وقد أيّدت المحكمة العليا ترمب في العديد من القضايا خلال العام الماضي، صُدرت فيها قرارات عاجلة، من بينها السماح له بإقالة عدد من المسؤولين في وكالات فيدرالية بينما تستمر الطعون القانونية ضد قراراته.
غير أن الدور المحوري لمجلس «الاحتياطي الفيدرالي» في النظامين الماليين، الأميركي والعالمي، إضافة إلى حقيقة أن الرؤساء لا يقررون السياسة النقدية بشكل مباشر، يضع قضية كوك في إطار مختلف إلى حد ما.
وقالت القاضية الليبرالية سونيا سوتومايور: «ليس الأمر وكأن الإبقاء عليها سيعرقل أي حق لديه في إدارة الدائرة، لأنه لا يملك أي حق من هذا القبيل».
وكان القاضي الذي منع ترمب من إقالة كوك فوراً قد اعتبر أن إجراءه من دون إخطار أو جلسة استماع يُرجح أنه انتهك حقها في الإجراءات القانونية الواجبة المكفول بموجب التعديل الخامس للدستور الأميركي. وتبحث المحكمة العليا طلب إدارة ترمب رفع أمر ذلك القاضي في الوقت الذي تستمر فيه الدعوى القانونية التي رفعتها كوك للطعن في قرار الرئيس.
وأضافت سوتومايور: «نحن نعلم أن استقلالية الوكالة أمر بالغ الأهمية، وأن هذه الاستقلالية تتضرر إذا بتّينا في هذه القضايا بسرعة مفرطة ومن دون تمحيص كافٍ».
وقالت إن السماح للمحاكم الأدنى درجة بفحص جميع القضايا بشكل معمّق «هو الخيار الأكثر منطقية لتعزيز ثقة الجمهور، وكذلك ثقة العالم، في سلامة الإجراءات القانونية».
وتساءلت سوتومايور: «لماذا لا ننتظر حتى نهاية هذه القضية، عندما تكون جميع المسائل واضحة، وعندها نصدر قراراً نهائياً بشأن ما إذا كان ينبغي إقالتها أم لا؟».
ومن المتوقع أن تصدر المحكمة العليا حكمها بحلول نهاية يونيو (حزيران)، وقد يصدر القرار قبل ذلك.
