الدوحة – قنا

يشكل التعليم الركيزة الأساسية للتنمية المستدامة في العالم، وهو ما يعكس الاهتمام البالغ الذي توليه الدول والمنظمات الدولية بتطوير المناهج التعليمية وتوسعة الهياكل الأكاديمية للمؤسسات التعليمية بهدف تطوير المجتمعات ومواكبة عصر التقدم الإلكتروني والتقني والصناعي مع الحفاظ على المعايير الأخلاقية الضرورية لضمان حماية المتعلمين وصون قيمهم الإنسانية.

وقد جاء اختيار منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة /اليونسكو/ لموضوع “قوة الشباب في المشاركة في تشكيل التعليم للعام 2026″، للاحتفال باليوم الدولي للتعليم في 24 يناير، ليجسد دور الشباب كعنصر فاعل في قيادة التغيير وبناء مستقبل تعليمي مستدام، في وقت يشكلون فيه أكثر من نصف سكان العالم ويواجهون تحديات تشمل الفقر إلى جانب محدودية الفرص، وصعوبات الحصول على تعليم جيد والعمل اللائق.

وتشير بيانات صادرة عن منظمة اليونسكو لعام 2024 إلى أن نحو 251 مليون طفل وشاب محرومون من الالتحاق بالمدارس، رغم عقود من التقدم والجهود المستمرة لدمجهم ضمن الأنظمة التعليمية. كما يواجه 617 مليون طفل ومراهق صعوبة في القراءة أو إجراء العمليات الحسابية الأساسية بينما يصل عدد البالغين الأميين إلى نحو 771 مليون شخص، ما يبرز الحاجة الملحة إلى تكثيف الجهود للحد من هذه الظاهرة الخطيرة وتحقيق التعليم للجميع.

ويظهر تقرير”اليونسكو” العالمي لرصد التعليم لعام 2024، أن عدد سكان العالم غير الملتحقين بالمدارس انخفض بنسبة 1 بالمئة فقط خلال ما يقرب من عشر سنوات، لكن رغم أن هذا الانخفاض يعكس بعض التقدم البسيط، إلا أنه لا يخفي النقص في الاستثمار في مجال التعليم، لا سيما في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل.

ودعت “اليونسكو” الدول الأعضاء إلى الاستفادة من آليات التمويل المبتكرة، وخلق تدابير تعليميّة أكثر ملاءمة للإمكانات المتوفرة، وتسليط الضوء على دور الشباب في بناء مجتمع تعليمي أمثل عبر تشجيع المؤسسات التعليمية والمنظمات المجتمعية على تنظيم فعاليات وورش عمل لدعم القيادة الشبابية في التعليم.

وفي عام 2025، ركز الاحتفال باليوم الدولي للتعليم على “الذكاء الاصطناعي والتعليم”، بهدف الحفاظ على التدخل البشري في عالم متزايد التشغيل الآلي، وإعادة تعريف دور التعليم في تمكين الأفراد من فهم التكنولوجيا والتأثير فيها، بما يضمن توازنا بين الابتكار والحفاظ على الدور الإنساني في العملية التعليمية.

ويمثل التعليم ركيزة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة، إذ اعتمد المجتمع الدولي في سبتمبر 2015 التعليم كأحد الدعائم الرئيسية لخطة 2030 للتنمية المستدامة، باعتباره شرطا أساسيا لتحقيق أهدافها جميعا.

ويأتي الهدف الرابع من هذه الخطة ليؤكد على ضمان تعليم شامل وعادل، وتعزيز فرص التعلم مدى الحياة لجميع الأفراد، بما يعزز التنمية البشرية.

كما تنص المادة 26 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن لكل فرد حقا أساسيا وأصيلا في التعليم، مع وجوب التحاقه بالتعليم الابتدائي المجاني والإلزامي، لذا تسعى الأمم المتحدة ومنظمة اليونسكو إلى ضمان حق الجميع في الوصول إلى ذلك الالتزام، من خلال القضاء على الفقر وتحقيق مستقبل واعد، والتأكيد على أهمية التعليم كعنصر أساسي في تحقيق التنمية.

وعلى مدى الأعوام الخمسة الماضية، ركزت فعاليات اليوم الدولي للتعليم على أفكار مختلفة تتصل بالتحديات العالمية في هذا المجال، ففي العام 2021: كان موضوع الاحتفال هو: “استعادة وتنشيط التعليم لجيل  “COVID-19” فيما تناول عام 2022 موضوع: “تغيير المسار.. إحداث تحول في التعليم”، وفي العام 2023 كان الشعار هو “إيلاء الأولوية للتعليم كوسيلة للاستثمار في البشر”، وفي العام 2024 رفع شعار “التعليم من أجل السلام الدائم”، حيث ركزت اليونسكو على دور التعليم في تفكيك خطاب الكراهية وبناء مجتمعات أكثر شمولاً وديمقراطية، أما العالم الماضي 2025 فكان الشعار يركز على موضوع: “الذكاء الاصطناعي والتعليم: الحفاظ على الدور الإنساني في عالم مؤتمت”.

 وفي دولة قطر، تولي القيادة الرشيدة اهتماما بالغا بالتعليم وتطويره بما يتوافق مع المعايير والمناهج الدولية الحديثة إذ تحتفل وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي سنويا باليوم الدولي، بمشاركة المدارس الحكومية والخاصة في تنظيم مجموعة من الأنشطة التعليمية وورش العمل والمعارض والمسابقات، بهدف تعزيز مفاهيم المسؤولية المجتمعية لدى الطلبة في مجال التعليم.

وفي هذا السياق، تقول السيدة مها زايد القعقاع الرويلي، الوكيل المساعد للشؤون التعليمية في الوزارة في حديثها لوكالة الأنباء القطرية /قنا/، إن رؤية دولة قطر الوطنية 2030 تمثل الإطار الاستراتيجي الشامل الذي يوجه سياسات الدولة، مؤكدة أن من بين أهم التزاماتها تكوين أفراد متعلمين وقادرين على الابتكار والمساهمة الفاعلة في التنمية الوطنية، من خلال نظام تعليمي يرقى إلى مستوى الأنظمة التعليمية العالمية المتميزة.

وأضافت الرويلي في حديثها لـ/قنا/ أن الوزارة أطلقت استراتيجية متكاملة ترتكز على محاور رئيسة تشمل تطوير المناهج ورفع جودة المخرجات التعليمية، وتعزيز الابتكار والتحول الرقمي في التعليم، وتحقيق العدالة وتكافؤ الفرص، عبر مشاريع وبرامج نوعية من أبرزها تطوير الإطار العام للمنهج الوطني، وتوسيع التعليم المبكر والتعليم الدامج، وتبني نماذج تعليمية حديثة مثل STEM، إلى جانب تنويع المسارات الأكاديمية والتقنية والمهنية.

     وأكدت في هذا الصدد أن الوزارة أولت مرحلة التعليم المبكر اهتماما خاصا، فحققت تقدما ملحوظا في رفع نسب الالتحاق برياض الأطفال، انسجاما مع توصيات المنظمات الدولية إلى جانب عملها على زيادة نسبة المعلمين المؤهلين عبر اعتماد معلمي رياض أطفال متخصصين، دون إغفال تجهيز المباني وفق معايير عالمية تراعي احتياجات الطلبة ذوي الإعاقة.

كما تم إصدار الإطار العام للمنهج التعليمي الوطني لدولة قطر، وتطبيق نظام إدارة التعلم (قطر للتعليم) في جميع المدارس الحكومية.

     ونوهت الرويلي بأن التعليم المتميز في دولة قطر كون طلبة متميزين حقق الكثير منهم إنجازات بارزة في المسابقات والأولمبياد العلمية والتقنية والثقافية على المستويين الإقليمي والدولي، ما يعكس جودة التعليم، وفاعلية البرامج الإثرائية، وقدرة الطلبة على المنافسة العالمية.

وأوضحت أن هذه الجهود تجسدت في تحسّن ملحوظ بمؤشرات الأداء الدولية، حيث حققت دولة قطر تقدمًا في نتائج الاختبارات الدولية مثل PIRLS وPISA وTIMSS، متصدّرة عربيًا وخليجيًا في بعض المؤشرات.

    وأشارت إلى أن موضوعات الذكاء الاصطناعي وفق مستويات تعليمية متدرجة، ستنال نصيبها في المراحل الدراسية المبكرة تدريجيا، بجانب تعزيز مهارات التفكير المنطقي والوعي بالاستخدام المسؤول للتقنيات الذكية، وذلك بالتعاون مع وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، كما تم تطوير مناهج الأمن السيبراني التعليمية (النسخة الأولى والنسخة الثانية)، بالتعاون مع الوكالة الوطنية للأمن السيبراني.

      وتقاس جودة التعليم والمؤشرات التنافسية بمعايير تشمل جودة التعليم، والبيئة البحثية، وجودة البحث العلمي، والانفتاح الدولي، والتعاون مع الصناعة، ويُقيّم تصنيف “كيو إس” للجامعات العالمية لعام 2026 المؤسسات بناءً على خمسة مؤشرات رئيسية، على رأسها البحث والاكتشاف، وقابلية التوظيف والنتائج، والمشاركة العالمية، وخبرة التعلم، والاستدامة.

     وبشأن مؤسسات التعليم العالي في دولة قطر، يقول الدكتور بدران الحسن مدير مركز ابن خلدون في جامعة قطر في تصريح لوكالة الأنباء القطرية /قنا/: إن المناهج التعليمية في جامعة قطر تحديداً، تسهم في دعم ركيزة التنمية البشرية عبر تشجيع التفكير العلمي النقدي ورفع كفايات الباحثين والطلبة، وإتاحة منصات للحوار العلمي تُحوِّل القضايا الواقعية إلى أسئلة بحثية قابلة للدراسة والقياس، بما ينسجم مع بناء اقتصاد قائم على المعرفة وتعزيز الابتكار في إدارة القضايا العامة وتطوير السياسات والبرامج التنموية، وترسيخ دور البحث العلمي في خدمة المجتمع وصنّاع القرار.

وشدد الدكتور الحسن على أن واقع التعليم في قطر على المستوى الجامعي والبحثي يتميز ببنية مؤسسية قوية وتنوع في المؤسسات والبرامج، مع حضور واضح لمسار الجودة والاعتماد وتطوير المناهج والمهارات، إضافة إلى بيئة تدعم الابتعاث والتخصصات الحديثة والشراكات الدولية، مشيراً إلى أن وجود مؤسسات بحثية ومختبرات وشبكات تعاون يساعد على تحويل الجامعة إلى مساحة لإنتاج المعرفة وليس تدريسها فقط.

وتتجلى جهود دولة قطر في دعم التعليم في الكثير من الدول بوضوح من خلال مساهمات مؤسسة “التعليم فوق الجميع”، التي تقدم برامج تعليمية عالية الجودة لأكثر من 17.2 مليون طفل وشاب عبر أكثر من 100 شريك عالمي في أكثر من 65 دولة بما يعكس التزام المؤسسة بتوفير التعليم الجيد للجميع.

     وتشمل برامج المؤسسة مشاريع للأطفال والشباب غير الملتحقين بالمدارس عبر إنشاء الأبنية التعليمية وتقديم المنح الدراسية وتوفير الموارد التعليمية المبتكرة، من خلال برامج متخصصة أهمها: الفاخورة، وأيادي الخير نحو آسيا، وعلم طفلًا، وحماية التعليم في ظل الصراع وانعدام الأمن، حيث تتعاون المؤسسة مع 9 وكالات تابعة للأمم المُتحدة لتحقيق أهدافها التعليمية والإنسانية في مختلف الظروف.

     وعدا ذلك، بنت المؤسسة شراكات مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، في دول مثل غامبيا، وباراغواي، والصومال، وتنزانيا، وغيرها، حيث سجل أكثر من 5.3 مليون طفل خارج المدرسة، أما برنامج “حماية التعليم في ظل النزاع وانعدام الأمن” فيتعاون مع “اليونيسف” كجزء من التحالف العالمي لحماية التعليم من الهجمات لتأسيس معايير دولية للمساءلة عن الهجمات على التعليم.

   كما يتعاون برنامج “الفاخورة” مع “اليونيسف” في قطاع غزة لتحسين البيئة التعليمية ودعم الصحة النفسية لنحو 756 ألفًا و987 طفلًا رغم كل المصاعب والتحديات ومنها الحرب الأخيرة، في الوقت الذي يتعاون برنامج “أيادي الخير نحو آسيا” مع “اليونيسف” لدعم تعليم 263 ألفًا و888 طفلًا في بنغلاديش ونيبال وإندونيسيا.

شاركها.
Exit mobile version