في الذكرى السابعة لانطلاق «الحراك الشعبي» بالجزائر، تباينت الآراء حول مدى تحقق مطالبه، بين ناشطين معارضين يرون أنه تم «الالتفاف» على هذه المطالب وأن النظام سار في اتجاه معاكس لها، وموالين يقولون إن استقرار البلاد كان بفضل تدخل الجيش لمنع «الانحراف عن المسار».
كان «الحراك» قد انطلق يوم 22 فبراير (شباط) عام 2019 بمظاهرات حاشدة احتجاجاً على ترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة، في حين كان مريضاً منذ 2013 يعاني تبعات جلطة دماغية.
وكانت حاشية بوتفليقة -من وزراء ورجال أعمال ومستشارين خصوصاً شقيقه الأصغر سعيد الذي كان مستشاره الخاص- عازمة على تمرير «العهدة الخامسة» وخوض الحملة الانتخابية نيابة عنه، كما جرى في انتخابات 2014 التي حصل بعدها على ولاية رابعة من دون أن يتحدث لأنصاره بكلمة واحدة.
وفي بداية «الحراك»، وقف قائد الجيش الفريق قايد صالح مع الرئيس، مدافعاً عن بوتفليقة، ومندداً بالمتظاهرين الذين قال إنهم «يريدون نشر الفوضى في البلاد». لكن مع تعاظم المد الشعبي بمرور الأسابيع، غيَّر صالح موقفه حيث جمع قيادات الجيش يوم الثاني من أبريل (نيسان) 2019، وأمر الرئيس وكل فريقه في السلطة بالتنحي «فوراً»، وهو ما تم بالفعل، حيث ظهر الرئيس في مساء اليوم نفسه وهو يقدم استقالته إلى رئيس «المجلس الدستوري» الذي كان من أبرز مؤيديه.
انتخابات مثيرة للجدل
وفي العام نفسه، أُجريت انتخابات رئاسية جديدة في 12 ديسمبر (كانون الأول) بإشراف غير مباشر من الجيش، وسط رفض شعبي واسع.
ولم يترشح أي من الوجوه البارزة في صفوف «الحراك»، مثل المحامي مصطفى بوشاشي، والمعارض السياسي الشاب كريم طابو. واقتصر الترشح على شخصيات سبق أن شغلت مناصب عليا في مؤسسات الدولة، وهم: عبد المجيد تبون، وعلي بن فليس، وعبد القادر بن قرينة، وعز الدين ميهوبي، بالإضافة إلى عبد العزيز بلعيد، القيادي السابق في «جبهة التحرير الوطني»، حزب السلطة الواحد سابقاً، الذي اندلعت ضده احتجاجات أكتوبر (تشرين الأول) 1988 فاتحةً عهداً جديداً من التعددية الحزبية.
ومرت الانتخابات وفاز تبون فيها بنحو 58 في المائة من الأصوات. وفي أول تصريحاته، تعهّد بتلبية كل مطالب «الحراك»، الذي سماه «مباركاً». وفي 2020 كرَّسه بمرسوم رئاسي «عيداً وطنياً» تحت اسم «يوم الأخوة والتلاحم بين الشعب والجيش من أجل الديمقراطية»، على أساس أن الجيش هو من أرغم بوتفليقة على الاستقالة، وأنه لم يتدخل لفض المتظاهرين، «بل العكس من ذلك حرص على عدم وقوع أي انحراف وألا تسيل قطرة دم واحدة»، وفق ما تتضمنه السردية الرسمية بشأن «الحراك».

استمر «الحراك» لبضعة أسابيع بعد الانتخابات، لكن المتظاهرين اضطروا إلى تعليق احتجاجاتهم بسبب جائحة «كوفيد-19».
وخلال هذه المرحلة، أُحيل العشرات من رموز النظام، مدنيين وعسكريين، إلى القضاء، حيث صدرت في حقهم أحكام بالسجن لمدد متفاوتة بتهم تتعلق بالفساد. كما سجنت السلطة العشرات من «الحراكيين» في هذه الفترة بتهمة «المس بوحدة البلاد واستقرارها» و«إضعاف معنويات الجيش».
ماذا تحقق من مطالب «الحراك»؟
حاول سياسيون الإجابة عن هذا السؤال ببيانات أصدروها ومنشورات في منصات الإعلام الاجتماعي.
وكتب رئيس «حركة مجتمع السلم» الإسلامية المعارضة ومرشح انتخابات الرئاسة 2024، عبد العالي حساني، على حساب الحركة في منصات التواصل، أن الحراك «شكَّل لحظة جامعة أعادت الاعتبار إلى قيمة التوافق بوصفه منهجاً راشداً لإدارة الاختلاف، وآلية حضارية لصناعة الحلول المشتركة بعيداً عن الإقصاء أو منطق الغلبة؛ فالاستقرار الدائم لا يُبنى على الانفراد، بل على شراكة سياسية وطنية تراعي الإرادة الشعبية وتحفظ وحدة الدولة».
ويرى حساني أن «التحدي المطروح اليوم هو كيف نحوّل تلك اللحظة التاريخية إلى مسار مستدام يحفظ الحريات ويؤسّس لتوافق وطني حقيقي حول قواعد العمل السياسي، بما يحقق دولة قوية بمؤسساتها، عادلة في سياساتها، ومُعبرة عن تطلعات شعبها».
وأضاف: «كان الحراك تعبيراً راقياً عن تشبث الجزائريين بقيمة الحرية… الحرية في الاختيار والتعبير التي لا تُختزل في ظرف سياسي عابر، بل تُعد جوهر العقد الوطني الذي تُبنى عليه دولة القانون والمؤسسات، وتُصان به كرامة المواطن، وتُحصّن به البلاد من الفساد والاستبداد».
من جهته، قال رئيس حركة «البناء الوطني»، عبد القادر بن قرينة، وهو من أبرز الموالين للرئيس تبون: «ما تجنيه بلادنا اليوم من حضور دبلوماسي فاعل وثِقل إقليمي هو ثمرة يانعة من ثمرات تلاحم الشعب مع جيشه الوطني الشعبي ومع مؤسسات دولته، الذي جسّد الوحدة الوطنية في صورة جديدة أحبطت كل المخططات التي حلم أصحابها بالمساس باستقرار الجزائر أو اختراق سيادتها».
وأكد أن «الانتقال اليوم من حراك التغيير إلى حراك التنمية يتجسّد بشكل متنامٍ في تعزيز السيادة الاقتصادية، وفي المؤشرات الإيجابية التي تضع الجزائر على سكة النهضة والانتصار».
«فخر ومرارة»
وعلى الطرف الآخر قال رشيد حساني، مسؤول الإعلام في «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» الذي يجسّد المعارضة الراديكالية: «بعد سبع سنوات، يبقى الشعور مزدوجاً: فخر بالارتقاء إلى مستوى التاريخ وبإظهار شعب كريم مسالم ومصمم، ومرارة أيضاً أمام هذا الهدر الكبير».
وأضاف: «كان يمكن لتلك الهبة أن تضع الجزائر على سكة ديمقراطية فعلية، ودولة قانون حقيقية، وتنمية في خدمة المواطن. كان يمكن أن تجسّد حلم شهدائنا الأبرار».
وفي تقديره، «انخرطت السلطة في مواجهة هذا التطلع المشروع، في مسار يهدف إلى حماية النظام. فخلف تعديلات شكلية، بدأ مسار مضاد للثورة: قمع تدريجي، وإغلاق الفضاءات السياسية والإعلامية، وملاحقات قضائية، واعتقالات، وتكميم للأصوات المخالفة».
وتابع: «تم تفتيت الحركة الشعبية واستنزافها ومنعها من بلوغ انتقال حقيقي».
Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended

