يركز الباحث الدكتور محمد فتحي فرج في كتابه «كامل كيلاني»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، على الدور المؤسس لرائد ادب الأطفال في مصر والعالم العربي الذي عاش في الفترة من 1897 حتى 1959، حيث أسهم في وضع اللبنات الأولى لهذا اللون شديد الأهمية من الإبداع، عبر أعماله التي تنوعت بين القصة والشعر والترجمة.
ويؤكد المؤلف أنه لا أحد ينكر الجهود المضنية التي بذلها الرواد في مجال أدب الطفل منذ ما يزيد على قرن ونصف من الزمان، منذ المحاولات الأولى التي وضع لبناتها رائد النهضة الثقافية الحديثة الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي ومن جاءوا بعده ليعبدوا الطريق ويمهدوا السبيل للأجيال التالية، لكن حينما يكرس المرء كل جهوده في إنجاز مشروع متكامل يجعل منه رسالته ثم يحاول إنجازه بهذا القدر من الاهتمام والتفاني والاستمرارية طوال ثلاثين عاماً متصلة، فالأمر يتعلق هنا بدور تأسيسي ينبغي الوقوف طويلاً أمامه.
من هنا تأتي أهمية قصص كامل كيلاني الذي كان من أعماله المبكرة تعليم الصغار الأرقام والعد في قالب شعري محبب ومبسط، كما في قوله:
الأعداد العشرة
«واحد اثنانِ.. أتى من البستانِ
ثلاثة وأربعة.. أحضر تفاحاً معه»
نضج أدب الطفل على يد كيلاني، إذ استطاع من خلال منهجية مدروسة وذكاء فطري وموهبة إبداعية مع مقدرة عالية على التخيل واستعداد متوفر لبذل الجهد المتواصل في ظل ثقافة عميقة روافدها علوم النفس والفلسفة والتربية والاجتماع واللغة، سواء الوطنية أو الأجنبية، مع إلمام واسع بكنوز التراث العربي، وكل هذه الإمكانيات والمؤهلات، أن يقدم مكتبة متكاملة ومنوعة في أدب الطفل تخاطب المراحل العمرية المختلفة، سواء على هيئة قصص خيالي مؤلف أو قصص مترجم ملخص أو مقتبس معرّب مع تنوع في الشكل والقالب من نثر إلى شعر ومن قصة إلى مسرحية إلى مقالات بين دفتي كتاب تناسب الأطفال والناشئة والمراهقين.
ولد كامل كيلاني في 20 أكتوبر (تشرين الأول) 1897 بحي «القلعة» بالقاهرة وهو فضاء شعبي تاريخي يعج بالآثار المصرية الإسلامية التي تثير خيال الأطفال وتنتشر فيه الحكايات والأساطير التي تبعث على التأمل والتخيل. أتم تعليمه قبل الجامعي بمدرسة «القاهرة الثانوية» ونال فيها «شهادة البكالوريا»، وكان خلال هذه المدة يعكف على دراسة الأدب الإنجليزي كما تعلم اللغة الفرنسية ومبادئ اللغة الإيطالية.
انتسب إلى الجامعة المصرية سنة 1917 كما حضر دروساً بالأزهر في النحو والصرف والمنطق، كما التحق في أثناء دراسته الجامعية بمدرسة «دانتي أليجيري» لدراسة الأدب الإيطالي ليطلع على آثار الحضارة الرومانية ويتعرف إلى بعض كنوزها الأدبية.
كان في الحي الذي نشأ فيه شاعر ربابة اسمه «عبده الشاعر» ينشد على ربابته أقاصيص البطولة وكان الطفل كيلاني يذهب للاستماع إليه كل ليلة في «ميدان القلعة» بمنطقة «سوق العصر». وكان لكثرة سماعه قصص البطولات العربية وغيرها مما يرد في أساطير اليونان وحوادث الأبطال من شاعر الربابة تأثير كبير في تكوين شخصيته القصصية.
أعجب بقصة «سيف بن يزن» وكثيراً ما كان يعقد المقارنات بينها وبين «الإلياذة» و«الأوديسا» لهوميروس، فأبدع نماذج تستلهم هذه الملاحم في عشرات الأجزاء، كما تأثر بقصص الفارس العربي الشاعر عنترة بن شداد، وفيروز شاه وحمزة البهلوان والظاهر بيبرس، وكان يقارنها بقصص شعبية شهيرة في الغرب «روبنسون كروزو» و«رحلات جاليفر».
جمعت أعماله بين العمق والبساطة والطابع الجذاب المشوق وهو ما جعل وزارة التربية والتعليم بمصر تقرر بعض قصصه على طلاب المرحلة الابتدائية ومنها «شجرة الحياة»، «الأمير المسحور»، «بساط الريح»، «مغامرات لولو»، «علاء الدين».
وعلى صعيد الترجمة، قام كيلاني بانتقاء مجموعة من القصص والروايات في الأدب الإنجليزي بعضها من تأليف وليام شكسبير وبعضها الآخر للكاتب الروائي جوناثان سويفت، حيث قام بتلخيصها وترجمتها؛ ومنها: «يوليوس قيصر»، «تاجر البندقية»، «جاليفر في بلاد العمالقة»، «جاليفر في بلاد الأقزام».
من أبرز نماذج أعماله «مصباح علاء الدين وشهرزاد»، «نوادر جحا وحكايات بهلول»، «الحمار القارئ والعنكبوت الحزين»، «الملك عجيب»، «ذات الجناحين»، «الأميرة القاسية»، «نشيد النيل».